مهرجانات السينما بين الفن والسوق: انسحاب الاستوديوهات الكبرى

مهرجانات السينما كانت لعقود طويلة محطة مركزية في تقويم الصناعة العالمية، لحظة يلتقي فيها الفن بالتوزيع، والنقد بالتسويق، والنجوم بالجمهور. لكن في السنوات الأخيرة، بدأ سؤال يتردد بهدوء داخل أروقة تلك المهرجانات: لماذا تتراجع الاستوديوهات الكبرى عن الحضور؟

هل تغيرت قيمة المهرجان؟ أم أن منطق السوق نفسه أعاد ترتيب الأولويات داخل صناعة لم تعد تعمل وفق القواعد القديمة؟

هذا المقال يحاول قراءة هذا التحول، لا بوصفه أزمة عابرة، بل كإشارة إلى تغير أعمق في العلاقة بين السينما كفن والسينما كسوق.

 ما الذي تقوله الكراسي الفارغة؟

في كل مرة تُرفع ستارة مهرجان سينمائي كبير، ثمة سؤال يطفو على السطح بهدوء، لا يطرحه أحد بصوت عالٍ لكنه حاضر في كل نقاش جانبي، في كل قاعة انتظار، في كل طاولة نقاد: أين الاستوديوهات الكبرى؟

ليس السؤال مجازياً. إنه حرفي تماماً.

منذ سنوات، بدأت المقاعد المخصصة لممثلي شركات الإنتاج العملاقة تفرغ تدريجياً في مهرجانات باتت تُعرَّف في الوعي الجمعي السينمائي بوصفها “عواصم الفن السابع”. كان يُفترض أن تلك المهرجانات تُشكّل لحظة التقاء ضرورية بين صانعي الأفلام والعالم، لحظةً يتحوّل فيها الفيلم من مجرد ملفات مونتاج إلى حضور حي في وعي الجمهور والنقاد. لكن هذه اللحظة، التي كانت يوماً مقدسة في تقويم الصناعة، باتت تبدو اليوم كأنها طقس قديم يحتفظ به البعض من باب الوفاء، بينما يتجاوزه الآخرون بحجج عملية لا تخلو من منطق.

هل المشكلة في المهرجانات؟ أم أن الصناعة نفسها تحوّلت بما يكفي لجعل هذه التساؤلات ضرورية؟

علاقة الاستوديوهات الكبرى بمهرجانات السينما

لم تكن العلاقة بين الاستوديوهات الكبرى ومهرجانات السينما حباً خالصاً في أي وقت من الأوقات. كانت دائماً شراكة مصلحية، ترتكز على معادلة بسيطة: الاستوديو يحتاج إلى التحقق النقدي المبكر، والمهرجان يحتاج إلى بريق الأسماء الكبيرة وحضور النجوم. كانت المعادلة تعمل لأن كل طرف يحصل على ما يريد.

لكن المعادلات تتغير حين تتغير متغيراتها الأساسية.

ما نشهده اليوم ليس قطيعة درامية، ولا إعلان طلاق رسمي. ما يحدث هو شيء أكثر هدوءاً وأشد تأثيراً: إعادة حساب صامتة، تجري في اجتماعات الميزانية وجداول توزيع الموارد، ينتهي بها كثير من كبار الاستوديوهات إلى قرار مفاده أن التكلفة لا تعادل العائد.

والأمر لا يتعلق فقط بالمال، وإن كان المال جزءاً أساسياً منه.

حساب التكلفة: ماذا يدفع الاستوديو فعلاً؟

حين نتحدث عن “ذهاب فيلم إلى مهرجان”، يتخيل كثيرون صورة رومانسية: مخرج يحمل نسخة من فيلمه ويصعد إلى طائرة. الواقع أبعد ما يكون عن ذلك.

المشاركة الفعلية لاستوديو كبير في مهرجان دولي تعني منظومة لوجستية ضخمة: نجوم بطاقم كامل من المساعدين والمديرين الإعلاميين، فنادق من الدرجة الأولى في مدن أسعارها مرتفعة أصلاً وترتفع مضاعفةً أيام المهرجان، حفلات استقبال وعروض خاصة وجلسات صحفية مُتقنة التنظيم. الفاتورة النهائية قد تصل إلى أرقام يصعب تبريرها في مناخ تعمل فيه الشركات الكبرى تحت ضغط متصاعد لخفض الإنفاق وتحقيق عوائد قابلة للقياس.

وهنا يطرح المديرون الماليون سؤالاً منطقياً تماماً: ما الذي نشتريه بكل هذا الإنفاق؟

الإجابة كانت يوماً واضحة: شرعية نقدية، وزخم تسويقي، وموقع مميز في سباق الجوائز. لكن كل هذه العناصر باتت تُطعن في قيمتها الفعلية.

تغير تأثير النقد في عصر المنصات

ثمة تحوّل جوهري في طريقة تلقي الجمهور للمحتوى السينمائي، وهو تحوّل لم يحدث فجأة لكنه تسارع بشكل لافت في السنوات الأخيرة.

قبل عقدين، كان النقد الصحفي المتخصص يملك قدرة حقيقية على تشكيل الرأي العام. مراجعة إيجابية في صحيفة كبرى أو موقع متخصص كانت تصنع فارقاً ملموساً في صالة السينما. أما اليوم، فالمشهد تغيّر بشكل جذري.

منصات تجميع التقييمات، المقاطع الترويجية التي تنتشر بملايين المشاهدات في ساعات، المؤثرون السينمائيون على منصات التواصل، نقاشات المعجبين التي تسبق أحياناً خروج الفيلم إلى العالم بأشهر، كلها عوامل أعادت رسم خريطة التأثير. لم يعد الاستوديو مُضطراً إلى أن يمر عبر بوابة النقاد في مهرجان ما، لأن ثمة طرقاً كثيرة للوصول إلى الجمهور مباشرة، وبتكلفة أقل، وبسيطرة أكبر على الرسالة.

والسيطرة هنا كلمة مفتاحية.

الخوف من الحكم النقدي المبكر

لنكن صريحين في هذه النقطة، لأنها ربما الأكثر إثارةً للتفكير من بين كل الأسباب المطروحة.

الاستوديوهات الكبرى، التي أنفقت عشرات الملايين على إنتاج فيلم وربما عشرات أخرى على تسويقه، تجد نفسها في موقف غريب حين تعرضه في مهرجان: إنها تُسلّم مصير الفيلم لغرفة من النقاد قبل أن يرى الجمهور الحقيقي منه لقطة واحدة.

ردود الفعل النقدية الأولى، في عصر السرعة الرقمية، لا تبقى في الغرف المغلقة. هي تنتشر فورياً، تتحوّل إلى “روايات” يصعب تغييرها لاحقاً. وإن كانت تلك الردود فاترة أو سلبية، فقد تُلقي بظلالها على حملة التسويق بأكملها، وعلى التوقعات المالية لأسبوع الافتتاح الذي يظل، حتى في زمن البث المباشر، العلامة التجارية الأهم لنجاح الفيلم تجارياً.

المهرجان إذاً، من زاوية الاستوديو الكبير، ليس مجرد تكلفة مالية. إنه أيضاً رهان وجودي على فيلم ما زال يمكن حمايته بتسويق ذكي ومتحكم فيه.

عامل التوقيت وتأثيره على استراتيجيات الإطلاق

التفاصيل التقنية لصناعة السينما ليست بعيدة عن هذا النقاش. في الواقع، هي في صلبه.

المهرجانات الكبرى تعمل وفق دورات زمنية ثابتة. فيلم يُعرض في الخريف قد لا يصل إلى دور العرض العامة إلا بعد أشهر طويلة. في العقود الماضية، كان ذلك يمنح الفيلم بريقاً من الترقب، يتراكم الزخم ببطء حتى يبلغ ذروته يوم العرض الأول.

لكن في بيئة يعيش فيها الجمهور على وقع التحفيز اللحظي، حيث ينتقل الاهتمام من موضوع إلى آخر خلال أيام بل ساعات، يصبح الحفاظ على “الحديث عن فيلم ما” طوال ثلاثة أشهر تحدياً تسويقياً ضخماً يستنزف ميزانيات إضافية. والنتيجة أن الاستوديو يدفع مرتين: مرة ليدخل المهرجان، ومرة أخرى ليبقي الجمهور متحمساً حتى يحين موعد العرض الحقيقي.

المنصات الرقمية وإعادة تعريف القيمة

من الأمثلة اللافتة في هذا السياق ما شهدناه مع المنصات الرقمية الكبرى في السنوات الأخيرة.

حين دخلت هذه المنصات عالم مهرجانات السينما، كان ذلك بحماس واضح. أفلام حصلت على جوائز مرموقة، وعروض صحفية استقطبت اهتماماً دولياً، وتصريحات عن التزام بالسينما كفن لا كمنتج فحسب.

ثم جاء التحوّل الصامت.

أدركت تلك المنصات شيئاً بسيطاً لكنه حاسم: المشترك الذي يجلس على أريكته ليختار فيلماً يشاهده لا يسأل نفسه “هل فاز هذا الفيلم بجائزة ما في مهرجان ما؟” هو يسأل: “هل يبدو هذا الفيلم شيئاً أريد مشاهدته الآن؟”

الخوارزميات التي تضع الفيلم في صدارة الصفحة الرئيسية أقوى بكثير من الجائزة التي تُحفر على التذكار الزجاجي. وهذا الإدراك غيّر سلوك تلك المنصات تجاه المهرجانات تغيّراً ملموساً.

 هل تفتح مهرجانات السينما الباب للسينما المستقلة؟

حين تخرج الاستوديوهات الكبرى من المعادلة، أو تُقلّص حضورها، لا يبقى المكان فارغاً. هو يُعاد ملؤه بمنطق مختلف.

السينما المستقلة، التي دائماً ما كانت الطرف الأكثر حاجةً إلى المهرجانات من الطرف الأكثر استفادةً منها، تجد اليوم فرصةً لافتة. المهرجانات مضطرة أكثر من أي وقت مضى إلى احتضان الأصوات الجديدة، والسينمات غير الغربية، والمخرجين الذين لا يملكون آلة تسويق ضخمة خلفهم لكنهم يحملون أفلاماً تستحق الرؤية.

هذا التحوّل ليس مأساة. ربما هو، من زوايا معينة، فرصة حقيقية.

المهرجانات التي كانت مُكبّلة أحياناً بضرورة إرضاء الاستوديوهات الكبرى وتخصيص العروض الرئيسية لأفلامها، باتت قادرة على برمجة أكثر جرأة، وانتقاء أكثر صدقاً مع الرسالة الأصلية للمهرجانات: اكتشاف ما لم يُكتشف بعد.

ما الذي يعنيه هذا للمشاهد المهتم؟

إن كنت من أولئك الذين يتابعون السينما بوصفها فناً لا مجرد ترفيه، فهذا التحوّل يستحق تأملاً خاصاً منك.

المهرجانات، في جوهرها، كانت دائماً مكاناً للسينما التي تحتاج إلى أن تُرى قبل أن تُسوَّق. الأفلام التي لا تملك ملصقات براقة، ولا حملات وسائط اجتماعية منسّقة، ولا نجوماً يظهرون في برامج الحوارات الليلية. هي تحتاج إلى مكان يجمع فيه الناس ليروا ويتحدثوا ويقرروا معاً ما إذا كان شيئاً ما يستحق الانتشار.

غياب الاستوديوهات الكبرى عن ذلك المكان لا يُفسد الغرض الأصلي للمهرجانات. ربما يُعيده.

الاستراتيجية الانتقائية للاستوديوهات الكبرى

تجدر الإشارة إلى أن غياب الاستوديوهات الكبرى ليس مطلقاً. ما يجري هو انتقاء دقيق مدروس، لا هجران كامل.

الاستوديو الكبير لا يزال يذهب إلى المهرجانات، لكنه يذهب حين يكون متأكداً من أن الفيلم جاهز للمواجهة، وأن توقيت العرض يخدم خطة الإطلاق، وأن البيئة النقدية في تلك اللحظة مواتية. هو لم يتخلّ عن المهرجانات كأداة، لكنه توقف عن التعامل معها كطقس واجب.

وهذا في الواقع جانب مثير للتفكير في حد ذاته: حين تُصبح المشاركة في حدث ثقافي قراراً استراتيجياً بحتاً لا التزاماً بمنظومة قيم مشتركة، فماذا يتبقى من تلك المنظومة؟

هل تحتاج مهرجانات السينما إلى إعادة تعريف دورها؟

المهرجانات أمام تحدٍّ حقيقي، لكنه ليس تحدياً وجودياً بالضرورة. هو تحدي إعادة تعريف.

إن كانت قيمة المهرجان مرتبطة أساساً بحضور الأسماء الكبيرة والأفلام التي تمتلك ميزانيات ضخمة، فمستقبله يبدو هشاً في مواجهة التحولات الاقتصادية للصناعة. لكن إن كانت قيمته مرتبطة بشيء آخر، بالاكتشاف، بالحوار، بمنح السينما البديلة فرصة التنفس والظهور، فهو لا يزال يملك دوراً لا يمكن لأي خوارزمية أن تحل محله.

المهرجانات التي تجد طريقها في هذه الفترة ستكون تلك التي قرّرت بوضوح لمن توجد: هل توجد لتخدم الصناعة، أم لتخدم السينما؟

السؤال ليس بلاغياً.

ما الذي يبقى بعد انتهاء المهرجان؟

في نهاية كل مهرجان، بعد انطفاء الأضواء وعودة الجميع إلى مدنهم وشاشاتهم وحياتهم، يبقى شيء واحد يقاوم النسيان: فيلم رآه شخص لم يكن يعرف أنه كان ينتظره.

ذلك الفيلم الصغير الذي لا تمتلكه شركة توزيع كبرى، ولا يحمله نجم معروف، ولا وصلت إعلاناته إلى هاتف أحد. الفيلم الذي يُقال عنه في الممرات بصوت خافت “عليك أن ترى هذا”.

هذه اللحظة، بالتحديد، هي ما تُبرر وجود المهرجانات. وهذه اللحظة لا تحتاج إلى ميزانية ضخمة، ولا إلى استوديو كبير، ولا إلى سجادة حمراء مديدة.

هي تحتاج فقط إلى فيلم صادق وعيون مستعدة لأن ترى.

طالما بقي ذلك ممكناً، فالمهرجانات لا تزال تستحق الوجود.

شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *