
الإبداع في زمن الأزمات: لماذا يبقى الفن ضرورة لا ترفاً؟
في أوقات الأزمات العالمية، يعود سؤال قديم ليطارد صناع السينما وكل المبدعين:
هل للفن معنى حين يضطرب العالم؟
هل يستحق أن نكتب سيناريو، أو نصوّر مشهداً، بينما تبدو الأخبار أثقل من أي قصة يمكن أن نرويها؟
هذا السؤال ليس جديداً، لكنه يشتد كلما تصاعدت الضغوط — اقتصادية كانت أو سياسية أو اجتماعية. ومع كل أزمة، يتسلل شعور خفي بأن الإبداع ترف يمكن تأجيله… وأن الواقع أولى بالاهتمام من الخيال.
لكن المفارقة أن هذا التصور يقوم على افتراض خاطئ:
أن الفن رفاهية.
التاريخ يروي لنا قصة مختلفة تماماً.
أعظم الحركات السينمائية لم تولد في لحظات الاستقرار، بل في قلب الانكسار.
السينما الإيطالية الجديدة خرجت من تحت أنقاض الحرب العالمية الثانية.
والموجة الفرنسية الجديدة تشكّلت في زمن تحولات فكرية وسياسية عاصفة.
أما السينما الإيرانية المعاصرة، فقد ازدهرت رغم القيود والتحديات.
الأزمات لم تُسكت الفن…
بل دفعت به إلى أن يكون أكثر صدقاً، وأكثر ضرورة.
الفن كفعل مقاومة صامت

الإبداع في الأوقات الصعبة ليس هروباً من الواقع، بل هو طريقة لمواجهته. حين نختار أن نكتب أو نصور أو نبني عالماً سردياً، نحن نمارس نوعاً من السيطرة على الفوضى المحيطة. نخلق نظاماً داخلياً في مواجهة الفوضى الخارجية. هذا ليس تجاهلاً للمشكلات، بل هو رفض للاستسلام لها.
الفيلم القصير، السيناريو غير المكتمل، التجربة البصرية المتواضعة – كلها أفعال مقاومة بطريقتها الخاصة. ليس بالضرورة مقاومة سياسية مباشرة، بل مقاومة للشلل، للسلبية، للشعور بانعدام الحيلة. حين نصنع شيئاً، نؤكد على قدرتنا على التأثير، ولو في مساحة صغيرة من العالم.
البداية من أصغر نقطة ممكنة
أحد أكبر العوائق أمام الاستمرار في العمل الإبداعي هو حجم المشروع في أذهاننا. نفكر في الفيلم الطويل، في السيناريو المتكامل، في العمل الضخم الذي سيغير كل شيء. هذا التفكير يشلنا قبل أن نبدأ.
الحل يكمن في تفكيك الحلم الكبير إلى خطوات صغيرة قابلة للتنفيذ. بدلاً من التفكير في فيلم مدته تسعون دقيقة، فكر في مشهد واحد. بدلاً من السيناريو الكامل، اكتب صفحة واحدة. بدلاً من البحث عن التمويل والإنتاج الضخم، اخرج بكاميرا هاتفك والتقط شيئاً يلفت انتباهك.
هذه ليست دعوة للتقليل من الطموح، بل هي استراتيجية للحفاظ على الزخم. الإبداع يتغذى على الممارسة المستمرة، لا على الأفكار الكبرى التي تظل حبيسة الذهن. المخرجون الكبار لم يصنعوا تحفهم الأولى مباشرة؛ بل صنعوا أفلاماً قصيرة، وتجارب، وأخطاء، وتراكمات صغيرة أوصلتهم في النهاية إلى ما يريدون.
بناء إيقاع يومي
الإبداع ليس ومضة إلهام عابرة، بل هو عادة يومية. المبدعون الذين يستمرون في العمل رغم كل الظروف هم من يفهمون هذه الحقيقة. ليس عليك أن تنتظر اللحظة المثالية أو الظرف المناسب أو الإلهام الكبير. عليك فقط أن تبني روتيناً بسيطاً يحمي مساحة الإبداع في يومك.
قد يكون ذلك ساعة في الصباح الباكر قبل أن يبدأ العالم بمطالبه، أو وقتاً متأخراً في الليل حين يهدأ كل شيء. المهم أن تجد الوقت الذي يناسبك وتحميه بإصرار. لا يجب أن يكون طويلاً – حتى ثلاثون دقيقة يومياً، إذا التزمت بها، ستصنع فارقاً كبيراً على المدى الطويل.
الروتين يحررك من الحاجة إلى اتخاذ القرار كل يوم. حين يصبح الجلوس للكتابة أو المونتاج أو المشاهدة التحليلية جزءاً من إيقاعك اليومي، لن تحتاج إلى إقناع نفسك في كل مرة. سيصبح الأمر طبيعياً مثل تناول القهوة أو ممارسة الرياضة.
الانفصال عن الضوضاء

في عصر المعلومات المتدفقة، أصبح من المستحيل تقريباً أن نحافظ على مساحة ذهنية هادئة. الأخبار، وسائل التواصل، ردود الفعل السريعة، الجدالات اللانهائية – كلها تستهلك طاقتنا الذهنية وتترك القليل للإبداع.
لا يعني هذا أن نعزل أنفسنا تماماً عن العالم، لكنه يعني أن نكون واعين لكمية المعلومات التي نسمح لها بالدخول. أحياناً، أفضل شيء يمكن أن يفعله الفنان هو أن يغلق الهاتف، ويبتعد عن الشاشات، ويجلس مع فكرته في صمت.
الإبداع يحتاج إلى فراغ ذهني. يحتاج إلى ملل، إلى لحظات لا نفعل فيها شيئاً سوى التفكير أو النظر أو التأمل. هذه المساحات الفارغة هي التي تسمح للأفكار بالتشكل. لكن إذا كنا نملأ كل ثانية من وقتنا بالمحتوى والأخبار والتفاعلات، فلن نترك مجالاً لأي شيء جديد أن يظهر.
القيمة في الفعل نفسه
ربما الدرس الأهم هو أن قيمة العمل الإبداعي لا تكمن فقط في النتيجة النهائية، بل في الفعل ذاته. حين نصنع شيئاً، نحن نتغير. نتعلم، نكتشف، نفهم أنفسنا والعالم بشكل أفضل.
لا يجب أن يكون كل فيلم تصنعه تحفة فنية. لا يجب أن يكون كل سيناريو تكتبه قابلاً للإنتاج. بعض الأعمال قيمتها الحقيقية في أنها علمتك شيئاً، أو ساعدتك على تجاوز فترة صعبة، أو ببساطة أبقتك متصلاً بجانبك الإبداعي.
الفن الذي نصنعه في الأزمات قد يكون هو الأكثر صدقاً وأهمية. لأنه لم يُصنع لإرضاء جهة إنتاج أو تحقيق نجاح تجاري، بل لأننا كنا بحاجة إلى صنعه. وهذا النوع من الفن غالباً ما يجد طريقه إلى قلوب الآخرين، لأنه نابع من مكان حقيقي.
خاتمة

حين يبدو العالم ثقيلاً، وحين تبدو الصورة الكبرى قاتمة، يبقى الإبداع أحد الأشياء القليلة التي نملك السيطرة عليها. يمكننا أن نختار، كل يوم، أن نصنع شيئاً. شيئاً صغيراً، متواضعاً، غير كامل – لكنه موجود.
هذا الاختيار نفسه هو فعل مقاومة ضد الشعور بالعجز. وربما، في النهاية، هذا هو الدور الأساسي للفن: أن يذكرنا بأننا قادرون على الخلق، حتى حين يبدو كل شيء آخر خارج سيطرتنا.


